قصة العملاق ياهو

الخميس، 17 أكتوبر 2013 التسميات: , , ,


تحقق مطلب الجماهير الغاضبة حين أقدم مجلس إدارة ياهو (Yahoo!) على إقالة المديرة التنفيذية للشركة كارول بارتز (Carol Bartz)، فجاء رد الفعل سريعا من سوق الأسهم معلنا عن ارتفاع قيمة أسهم ياهو بـ 6%، بعد ساعات قليلة من إعلان الخبر.

لكن هل كارول بارتز (63 عاما) هي سبب مشاكل ياهو وبعد رحيلها ستعود ياهو إلى مجدها؟ كلا، فيوم جاءت السيدة بارتز إلى رئاسة الإدارة التنفيذية لياهو منذ ثلاثين شهرًا مضت، كانت ياهو في الحضيض كما الآن، والمشاكل في ياهو بدأت قبل ذلك بفترة طويلة مسببة حالة من التخبط في السير اليومي للشركة والكثير من القرارات الاستراتيجية المتضاربة.

فكيف بدأ الانحدار وكيف يبدو مستقبل ياهو التي كانت ذات يوم أيقونة مشاريع الإنترنت الناجحة؟
ياهو.. قصة البداية

انطلق موقع ياهو، في نسخته الأولى، شهر يناير 1994، على يد طالبي الهندسة الكهربائية في جامعة ستانفورد؛ جيري يانج (Jerry Yang) وديفيد فايلو (David Filo)، وكان اسم الموقع في البداية ”دليل ديفيد وجيري لشبكة ويب العالمية“، قبل أن يصبح ”ياهو!“ في شهر أبريل الموالي.

لم يكن الموقع في البداية سوى دليل لمواقع الإنترنت يجمع فيها المؤسسان، يدويا، روابط إلى صفحات الإنترنت وينظمانها حسب محتواها ضمن أقسام وتصنيفات هيكلية. مع ذلك استطاع ذلك المشروع الصغير الذي بدأ الشريكان العمل فيه خلال فترة دراستهما الجامعية تحقيق نجاح سريع، تمثل في تحقيق مليون زيارة خلال أقل من عام. ثم توج ذلك النجاح بحصول الشركة على تمويل استثماري قيمته ثلاثة ملايين دولار، شهر أبريل 1995، من الشركة الاستثمارية الرائدة Sequoia Capital، ثم بعد ذلك بعام واحد دخلت ياهو البورصة، لتجمع من خلال طرحها الأولي للأسهم (IPO) أزيد من 33 مليون دولار.



دفع ذلك النجاح السريع الشركة للتطور والتحول من مجرد دليل للمواقع إلى بوابة إنترنت شاملة، يجد فيها المستخدم كل ما يحتاج إليه ويقضي فيها كل وقته. فبدأت آنذاك مسيرة ياهو مع الاستحواذات، بشرائها لشركات أخرى أصغر لدمجها تحت مظلة ياهو لإثراء خدمات البوابة، مثل خدمة البريد، قسم الألعاب، خدمة استضافة المواقع، الماسنجر، مجموعات النقاش. إلخ. في تلك الفترة لم تبن ياهو، تقريبا، أي خدمة سوى دليل المواقع. أما باقي الخدمات فقد طورتها عن خدمات شركات أخرى اشترتها.

واصلت ياهو نموها بشكل لافت حتى أن قيمة السهم تضاعفت شهر ديسمبر 1999، وفي عز أزمة انفجار فقاعة دوت.كم، بالضبط يوم 3 يناير 2000، وصل سهم ياهو إلى أعلى قيمة في تاريخه، مسجلا 118.75$، لكن يوم 26 سبتمبر 2001 سجل السهم أدنى قيمة في تاريخه نازلا إلى 8.11$.

بعد ذلك ستدخل ياهو في عدد من الشراكات مع شركات الاتصالات الأمريكية ومزودي خدمات الإنترنت، لتقديم خدمات مشتركة لمشتركي الإنترنت، كما ستقرر ياهو الدخول في مجال البحث على الإنترنت وستشتري محرك بحث Inktomi شهر ديسمبر 2002، ثم محرك Altavista شهر يوليو 2003، لتبدأ في التجهيز لمحرك بحث خاص ستطلقه شهر فبراير 2004.

حمّى الشراء لازمت ياهو طويلا، لكنها لم تكن دائما محكومة باستراتيجية واضحة وأهداف محددة، لذلك فشلت ياهو في الاستفادة من أغلب خدمات الشركات التي اشترتها لاحقا، خاصة سلسلة مواقع ويب 2.0 الذي بدأت في شرائها سنة 2005. كما أن الهيمنة السريعة التي بدأت جوجل في فرضها على الإنترنت دفعت ياهو إلى تضييع الوقت في محاولة اللحاق بها وتقليدها، بدل إبداع حلولها وأفكارها الخاصة.
أزمة الهوية

أحيانا ما تكون نقطة قوة شخص ما أو شركة، هي ذاتها نقطة الضعف. ونقطة قوة ياهو تمثلت منذ البداية في النجاح السريع والسيولة النقدية. إلا أن هذه الوفرة في المال لم تكن سوى أحد وجهي العملة، أما الوجه الآخر فهو أزمة الهوية التي لم تجد لها الشركة حلا حتى الآن: ”هل ياهو شركة تقنية أم شركة إعلامية؟“

كانت الويب أعجوبة في بداية التسعينات، وكانت ياهو أيقونة الويب وبوابة الدخول إلى مجاهل الإنترنت. تلك الحقيقة جعلت المعلنين يتهافتون لشراء الإعلانات على ياهو، وجعلت أرباح ياهو تنمو بشكل سريع. هذا أدى بدوره إلى نتيجة أن المستثمرين أدركوا وجود فرصة ذهبية للربح من الإنترنت فصاروا أكثر اهتماما بالاستثمار في مشاريع إنترنت جديدة لمحاكاة نجاح ياهو، وتلك المشاريع لم يكن أمامها للوصول إلى جمهور كبير سوى الإعلان على بوابة ياهو نفسها، فبدأت الدائرة في الاستحكام وصارت أرباح ياهو تتزايد، وكلما تزايدت تشجع المستثمرون على ضخ مزيد من الأموال في مشاريع الإنترنت، فتتزايد تلقائيا أرباح ياهو… وهكذا وجدت ياهو أنه بإمكانها تحقيق ربح وفير بسهولة، فلماذا تزعج نفسها بالابتكار وتطوير تقنياتها؟ أصبح فريق المبيعات لديها أهم من فريق المبرمجين. وهذا أحد أسباب فشل كثير من صفقات ياهو التقنية اللاحقة، فالمبرمجين المهرة يفرون من الشركات التي يتحكم فيها ”أصحاب البدلات الفاخرة“، بدل المهندسين العباقرة.

قبل ظهور جوجل كان بإمكان ياهو أن تصبح شركة تقنية لامعة، ولم تكن جوجل لتحقق ما حققته اليوم. (لنتذكر بأن مؤسسي جوجل لم يكونا مهتمين في البداية بتأسيس شركة، بل كل همهما كان بيع منتجهما لشركة أخرى، لكن لم تهتم بشراء منتجهما أي شركة، ولا ياهو، فأسسا شركتهما التي وصلت اليوم إلى المكانة التي لم يكن أحد يتوقعها). لكن المال السهل أعمى بصيرة ياهو فتم التركيز على الإعلانات أكثر من التقنية. غير أن هذا لم يكن ليستمر طويلا، خاصة بعد انفجار الفقاعة. ثم حين بدأت جوجل في النجاح ومد أذرعها حول العالم، اكتشفت ياهو أنه بالإمكان النجاح كشركة تقنية، فأرادت اللحاق بجوجل ومحاكاتها، لكن الوقت كان قد فات، ولم تستطع منافسة جوهر منتجات جوجل؛ البحث على الإنترنت.

لاحقا ستنجح فيسبوك كمنصة لتطوير تطبيقات الإنترنت الاجتماعية، فتقرر ياهو محاكاتها، لكن مرة أخرى تفشل، لأنها جاءت متأخرة ولأنها لم تكن قد قررت التحول بشكل كامل إلى شركة تقنية، وما زال للإداريين فيها سلطة على المبرمجين والمهندسين، لم تستطع الشركة الحفاظ على المهارات البرمجية التي تكفل لها الإبداع بالقدر الكافي لمواجهة منافسة شركتي جوجل وفيسبوك اللتان بدأتا في الاستحواذ على مصادر دخل كانت شبه محتكرة سابقا من ياهو.

ربما لا يمكن تحميل كارول بارتز مسؤولية كبيرة على ما وصلته ياهو اليوم، لكنها حتما تتحمل جزءًا من المسؤولية. لأنها من البداية لم تكن لديها رؤية واضحة عن هوية الشركة، حتى إنها لم تستطع، في حوار على الهواء، تحديد جواب لسؤال ”ما هي ياهو؟“. تحديد هوية الشركة بشكل واضح هي مشكلة مجلس الإدارة أيضا، وإلا ما كان ليأتي بالسيدة بارتز لإدارة ياهو، فهي رغم نجاحها في وظائفها السابقة إلا أنها قضت قبل مجيئها إلى ياهو أربعة عشر عاما كمديرة تنفيذية لشركة البرمجيات Autodesk. فهل يمكن لمديرة فضت كل تلك الفترة في شركة واحدة أن تنجح في إدارة شركة أخرى ذات طبيعة مختلفة تماما؟

تحتاج ياهو الآن إلى تحديد هويتها بدقة، وما إذا كانت تريد التركيز على كونها شركة إعلامية تقدم خدمات محتوى أصلي للمستخدمين، أم تريد التركيز على جانب التطوير البرمجي والتخلي عن أصحاب البذلات الفاخرة الذين لا نفع لهم، وتفعل كما تفعل فيسبوك؛ توظيف المبرمجين في كل أقسام الشركة حتى تلك التي لا تتطلب مبرمجين. يجب تحديد ذلك لتستطيع الشركة بناء استراتيجية واضحة وتكوين فريق إداري مناسب، وإلا فإنها ستبقى في مهب الريح حتى تذوي تماما.
المستقبل الغامض والخيارات المتشابكة

أحيانا يبدو لي أن نجاح ياهو كان مجرد صدفة: موقع صغير وجد نفسه في المكان المناسب في الوقت المناسب، فحصل على المال الوفير الذي ضمن له الاستمرارية حتى الآن!

الخيارات المتاحة الآن أمام ياهو كثيرة، لكن أول ما تحتاجه الشركة هو انتخاب مجلس إدارة جديد، بدل الحالي الذي عمق الأزمة، يعمل على إخراج ياهو من عنق الزجاجة، ويدرس كل الخيارات المتاحة بشكل عقلاني:
شراء Hulu

الخيار الأكثر اقتراحا من المحللين هو أن تقتنع ياهو بأنها شركة إعلام وتتوقف عن اللعب في ملعب جوجل. التقنية غدت الآن أساسا لا بد منه لشركات الإنترنت الإعلامية، لكن ياهو لا تحتاج إلى أن تعيد تعريف نفسها كشركة تقنية. فلتركز على بناء المحتوى ولتتوسع في توفير صيغ جديدة من المحتوى. ولأن المستقبل الآن للفيديو، وإعلانات الفيديو يمكن أن تحسن من مداخيل ياهو، فإن الاقتراح هو أن تشتري ياهو خدمة بث الأفلام Hulu وتستفيد من خبرات مديرها جيسون كيلار Jason Kilar، الذي يتكرر إسمه كثيرا كبديل لكارول باترز على رأس الإدارة التنفيذية لياهو.
البيع أو الإندماج

تقدمت مايكروسوفت أكثر من مرة لشراء ياهو، آخرها عرض سنة 2008 بالاستحواذ على ياهو بـ 44.6 مليار دولار. لكن مجلس إدارة ياهو رفض البيع، بمبرر أن قيمة ياهو أكبر من ذلك المبلغ. الآن القيمة السوقية لياهو لا تتجاوز 17 مليارا. وهو سعر مثير قد يعيد شهية مايكروسوفت من جديد.

هو مبلغ مسيل أيضا للعاب صنادق الملكية الخاصة، التي يمكنها شراء ياهو، إعادة هيكلتها، بيع بعض خدماتها منفصلة، ثم بيع ياهو إلى إحدى الشركات الإعلامية.

ثمة أيضا خيار الدمج مع شركات إعلامية تقارب قيمتها قيمة ياهو، مثل Viacom، أو البيع إلى شركات إعلامية كبرى مثل ديزني ونيوز كورب.

خيار الدمج مع AOL يطرح بكثرة مؤخرا، لكنه لا يبدو خيارا مفضلا لدى المحللين، فكلتا الشركتين تعانيان من ذات النوع من المشاكل، والدمج بينهما قد يضاعف من المشاكل أكثر مما يمكن أن يحلها.
بيع الأصول الأسيوية

قليلة هي شركات الإنترنت الأمريكية التي استطاعت إيجاد موطئ قدم لها في الصين واليابان، وياهو نموذج يكاد يكون فريدا بين الشركات الأمريكية، بل الأغرب أن قيمة ما تملكه ياهو الأمريكية في ياهو اليابان ومجموعة علي بابا في الصين، أعلى من قيمة الشركة الأصلية في أمريكا. يبدو أن سر نجاح هذه الفروع خارج أمريكا، هو أن ياهو الأمريكية لا تملك فيها حق الأغلبية ولا حق إدارتها.

يبدو خيار البيع هذا محببا، فهو سيخلص ياهو من مشاكل شركائها (خاصة علي بابا في الصين)، وفي نفس الوقت سيمنح الشركة سيولة إضافية لإعادة هيكلة نفسها، بشكل مريح.

لكن، الوفرة المالية كانت السبب الذي قاد إلى ياهو إلى الانحدار، فهل سيتغير الأمر هذه المرة ويحدث العكس، أم أن مجلس إدارة ياهو سيكتفي بالخيار السهل وسيعيد تكرار أخطاء الماضي؟

0 التعليقات :

إرسال تعليق

 
مدونة قرأت لك وكتبت © 2010 | تعريب وتطوير : خالد المصري | Designed by Blog | Blogger Template by khaledoficial.info